فيآهلآ وسهلآلآ بك هنآآ حيآآآككي



 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  من روائع الكاتب العالمى(نجيب محفوظ)ومسرحيته النادرة "يميت ويحيى"إنها روعة إقرأوها

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
shirouk❤
مميزآلسفِينہِ ¦
مميزآلسفِينہِ ¦
avatar

مُسَـآإهَـمـآإتِے » : 1228
نِقَـآإطِے » : 3632
آنتـسآبے : 16/06/2012
آوٌسـمتِے : ,

مُساهمةموضوع: من روائع الكاتب العالمى(نجيب محفوظ)ومسرحيته النادرة "يميت ويحيى"إنها روعة إقرأوها    الخميس يونيو 27, 2013 4:04 pm

المسرح منقسم إلى قسمين. قسم أمامي، وهو حوالي ثلثي المساحة وهو مضاء واضح المعالم.. في وسطه نخلة مغروسة، وفي جانب منه ساقية صامتة، القسم الخلفي مرتفع الدرجات على هيئة مصطبة، تغشاه الظلمة، وتلوح به أشباح راقدة، نيام أو موتي.. الطابع طابع تجريدي.‬

‫يُرفع الستار.. على المسرح فتاة جميلة تسير ذهاباً وجيئةً بين النخلة والساقية.. ثوبها يناسب الجو التجريدي حيث يصعب تحديده على أساس جغرافي وكذلك ثياب جميع من سيظهرون على المسرح.‬

‫ومع ارتفاع الستار تترامي أصوات معركة بين اثنين، آتية من ناحية اليسار.. شتائم وتهديدات وأصوات ضرب.‬

‫الفتاة: يا رب السماوات.. متى تختفي هذه الأصوات من الوجود؟ متى تشرق شمسك على أرض ناعمة البال، قريرة العين؟‬

‫(تصغي إلى الأصوات بقلق متزايد ثم تقول):‬

‫ترى هل أكفّر عن ذنب قديم؟ أم أنه بلاء مركب فى دمي؟ أم أنها أخطاء تقع فلا تلقى إرادة صادقة لإصلاحها؟‬

‫(يتقهقر شخص مندفعا بعنف، نتيجة دفعة قوية تلقاها في الخارج، ثم يسقط تحت النخلة مغمى عليه.. الفتاة تنحني فوقه باهتمام وتربت على خده بحنان، يفتح عينيه.. ينظر إليها ثم يغمض عينيه مرة أخرى مغمغما)‬

‫الفتى: أبي!‬

‫(تربت على خده بحنان، يفتح عينيه لحظات ثم يغمضهما مغمغما)‬

‫: أمي!‬

‫(رتبت على خده بحنان، يفتح عينيه لحظات ثم يغمضهما مغمغما)‬

‫: زوجتي!‬

‫الفتاة: شد حيلك.‬

‫(تدلك خديه.. يفتح عينيه مفيقا.. ينظر إليها طويلا ثم يتمتم)‬

‫الفتى: أنت!‬

‫الفتاة: حمدا لله.. قم.. اعتمد على ذراعي..‬

‫(تقيمه.. تمسح بمنديل جبينه وتسوي له شعره.. وهو يأخذ في التماسك شيئاً فشيئاً)‬

‫: لعلك أحسن..‬

‫(الفتى لا يرد ولكنه يعاود حالته الطبيعية)‬

‫: تنفس بعمق، فالجو اليوم طيب.‬

‫الفتى: لا شىء طيب على الإطلاق.‬

‫الفتاة: الجو طيب على الأقل، هدئ خاطرك.‬

‫الفتى: هيهات أن يطيب بعد اليوم جو أو خاطر.‬

‫(تشده برقة إليها فى دلال)‬

‫الفتاة: تعال إليّ، أنا لا أعرف اليأس.‬

‫(تحتد في عيني الفتى نظرة لكنه يتراجع في حياء أمام نظراتها الحنونة).‬

‫الفتى: لست على حال أهنأ معها بعطفك، معذرة.‬

‫الفتاة: ليتك تقنع بصدري ملاذا لك من متاعب الدنيا.‬

‫الفتى: ليت ذلك في الإمكان.‬

‫الفتاة: إنه ممكن إذا أردته.‬

‫الفتى: (متحسسا رأسه وعنقه فى تألم) إنه مستحيل أردت أم لم أرد.‬

‫الفتاة: إنها اللعنة القديمة التى تطارد التعساء.‬

‫الفتى: الحق أنها تطارد الأحياء.‬

‫الفتاة: وعلى الأحياء أن يحذروها، إنى أدعوك إلى السعادة الحقيقية فى الوجود.‬

‫الفتى: حتى السعادة تنقلب أحيانا بين أيدينا ترابا وخجلا.‬

‫الفتاة: يا لك من جاحد!‬

‫الفتى: لا أنكر عهدك، ولكني أخشاه، أخشاه في لحظة اندحاري الراهنة، وأراه من موقفي الدامي ذا جاذبية مخيفة تعمي البصر.‬

‫الفتاة: أهذا شعورك حوالي تفتح القلب وتألق الأزهار وجنى الثمر؟!‬

‫الفتى: بل إني أذكر مع الأسى ثقل الجنون، وترهل العضلات واسترخاء الهمم.‬

‫الفتاة: دعني أكرر أن ليتك تقنع بصدري ملاذا لك من متاعب الدنيا.‬

‫الفتى: يا له من جمال دافئ قهار.. أقوى من الموت نفسه، ولكن تلاشت في أحضانه أحلامي.‬

‫الفتاة: إنه أنفع من أحلامك.‬

‫الفتى: سيظل الجبن أكبر منغص لصفو الرجال.‬

‫الفتاة: من عجب أن تحن إلى فظاظة الخلاء!‬

‫الفتى: أحن حقا إلى توهج مصباح الحياة على حافة هاوية الخطر الداهم.‬

‫الفتاة: والدم والتشرد والغبار.‬

‫الفتى: بل قوة الاعتداد المسخرة للرياح.‬

‫الفتاة: ولدي زلة قدم يهال التراب على رجل من الرجال.‬

‫الفتى: والصرخات المدوية تتوارى في أعقابها الفئران في الجحور، ولذة التساؤل المفعم بالقلق أمام احتمالات الحياة والموت.‬

‫الفتاة: ووجهك الملطخ بالدماء المثير للرعب.‬

‫الفتى: ونبض القلب بزهو النصر المؤسس على الحق والكرامة.‬

‫الفتاة: أنت أناني، زهدت فيّ بعد شبع.. وشاقتك رائحة الدماء.‬

‫الفتى: إني أحبك ولكني أكره أن أتمرغ في التراب.‬

‫الفتاة: هذا يعني أنك لا تحبني.‬

‫(الفتى يشير إلى المصطبة المسربلة في الظلام حاملة الرقود من الأشباح)‬

‫الفتى: ليكن لي قدوة في الغابرين.‬
‫ ‬
‫الفتاة: لا أحب النظر نحو الموتى.‬

‫الفتى: لكنهم أحياء ما دمنا أحياء.‬

‫الفتاة: فراغ وراءك وفراغ أمامك، ولا حقيقة في الوجود سواي!‬

‫الفتى: كم استنمت إلى هذا الكلام الآسر حتى داستني الأقدام.‬

‫الفتاة: لقد أشعلت غضبه بمزاحك.‬

‫الفتى: المزاح من آداب حياتنا فكيف يكون جزائي ضربًا أليمًا موجعًا!‬

‫الفتاة: طالما حذرتك من المغالاة فيه.‬

‫الفتى: ولما أردت الدفاع عن نفسي خذلتني يداي.‬

‫الفتاة: الرجل المهذب خير عندي من الرجل القوي.‬

‫الفتى: صدقت حتى وهنت مني القبضة.‬

‫الفتاة: كان عليّ أن أنتشلك من حياة التشرد في الخلاء.‬

‫الفتى: وهكذا هزمني وهو يسخر من ضعفي.‬

‫الفتاة: لا تمزق عشرتنا بالكبرياء.‬

‫الفتى: إنها تتمزق بالمهانة كما تتمزق بالموت.‬

‫الفتاة: لا شيء كالموت.‬

‫الفتى: إنه ليس شر ما في الحياة.‬

‫الفتاة: صدقني فإنه العدو الأول للحياة.‬

‫الفتى: أيسرك أن أرضى بالهزيمة؟‬

‫الفتاة: ارضَ بأي شيء إلا الموت.‬

‫الفتى: وأعود إلى اللعب السعيد وقلبي يحترق بنار الهزيمة؟‬

‫الفتاة: للزمن بلسم يشفي كل شيء، إلا الموت.‬

‫الفتى: (مشيرا إلى المصطبة) تعامل أجدادنا مع الموت بعقيدة أخرى، فوُهب لهم الخلود.‬

‫الفتاة: لقد ماتوا وشبعوا موتا.‬

‫الفتى: (مخاطبا المصطبة وأهلها) قولوا إنكم خالدون.‬

‫(صوت من المصطبة كالصدى): إنكم خالدون.‬

‫الفتاة: لا تخاطب الفراغ كالمجانين.‬

‫الفتى: ألا تسمعين؟‬

‫الفتاة: إنك تصرخ فى الأموات تبريراً لسفك الدماء.‬

‫الفتى: يا له من صوت رهيب!‬

‫الفتاة: متى كان للتراب صوت؟‬

‫الفتى: (مخاطبا المصطبة) هل تسمعون ما يقال؟!‬

‫الصوت - الصدى: (بعد قليل) هل تسمعون ما يقال؟‬

‫الفتى: ماذا فعلتم بالموت وماذا فعل بكم؟‬

‫الصوت - الصدى: ماذا فعلتم بالموت وماذا فعل بكم؟‬

‫الفتى:‬

‫(لا يزال ناظراً إلى المصطبة كأنما يخاطب نفسه)‬

‫: إنهم يرددون قولي.. أجل.. ولهذا معنى عميق لا يخفى على لبيب.. وها هم يتحركون.. (يظلون رقودا طيلة الوقت ودون حركة).. إنهم يهدون إليّ صورة عزيز غابرة.. ها هو ذا القتال يحتدم.. الشهداء يسقطون.. الجنود يتسلقون جدار الحصن كالنمل.. ها قد سقط الحصن.. وهذا هتاف النصر يدوي مخترقا جدار المئين من السنين (ثم ملتفتا نحو الفتاة).. أرأيت؟! أسمعت؟!‬

‫الفتاة: لا شيء يُرى أو يسمع!‬

‫الفتى: لقد زلزلني هتاف النصر فوق جثث الشهداء.‬

‫الفتاة: ما هي إلا هواجس رغباتك الجامحة في القتل.‬

‫الفتى: سحقاً للخمول في خمائل الورد.‬

‫الفتاة: يا حسرتاه على حكمة الأيام الناعمة!‬

‫الفتى: (مشيرا إلى المصطبة) لقد لفحتني أنفاسهم المحترقة حزنا عليّ.‬

‫الفتاة: ليس للأموات أنفاس تحترق.‬

‫الفتى: إذا مات الأموات أدرك الفناء كل شيء.‬

‫الفتاة: إذا أردت الحياة حقاً فلا تنظر إلى الوراء.‬

‫الفتى: ولكن الوراء هو الأمام!‬

‫الفتاة: ولا تنظر إلى الأمام..‬

‫الفتى: (يقطب محتجاً حائراً)‬

‫الفتاة: فلتغرق في عيني.. يوهب لك خلود بين الظلمتين!‬

‫(قهقهة ساخرة وحشية تترامى من ناحية اليسار).‬

‫الفتى: أتسمعين استفزازه الساخر؟!‬

‫الفتاة: ريح هوجاء يعربد خلالها الشقاء.‬

‫الفتى: إنه يتحداني!‬

‫الفتاة: سأغني لك أغنية ترقص لها الحمائم فاستمع لي أنا!‬

‫الفتى: فلتطرب العصافير.‬

‫الفتاة: فلتهنأ بك شهوة الدماء.‬

‫الفتى: إن قهقهته الساخرة تحيل الهواء فى صدرى ترابا.‬

‫الفتاة: خير ما تفعل أن تصم أذنيك.‬

‫الفتى: ولكني خلقت بأذنين.‬

‫الفتاة: لتسمع بهما مناجاتي الدافئة.‬

‫الفتى: يا لها من مناجاة أجهضت همتي! الوداع..‬

‫الفتاة: لن تستغني عني أبداً.‬

‫الفتى: فلتكوني الأمل المؤجل حتى يطيب كل شيء.‬

‫الفتاة: لن يطيب شيء بعيداً عن ذراعي.‬

‫(القهقهة الساخرة تترامى من بعيد)‬

‫الفتى: الوداع.‬

‫الفتاة: انعم بالنوم رغم الضوضاء.‬

‫الفتى: بل أقضي على الضوضاء قبل أن أنعم بالنوم.‬

‫الفتاة: كلمة أخرى.. لا أريد أن يدركني اليأس.‬

‫(الفتى يضع إصبعيه في أذنيه.. تنظر إليه مليا ثم تمضي إلى الجهة اليمنى).‬

‫(الفتى ينظر نحو المصطبة).‬

‫الفتى: لا يمكن أن يدلني على حقيقة الحياة إلا شخص أدركه الموت!‬

‫الصوت - الصدى: الموت.‬

‫الفتى: ذهبت.. ولكنها لن تذهب بعيداً.. محال أن أتحرر منها كلية.. ولا رغبة لي في ذلك.. ولا قدرة لي عليه.. ولكني أريد الحقيقة..‬

‫الصوت - الصدى: الحقيقة.‬

‫الفتى: أفصحوا.. لا تتكلموا كما تتكلم الصخور.‬

‫الصوت - الصدى: الصخور.‬

‫الفتى: حدثوني عن الموت والحياة.‬

‫الصدى: الحياة.‬

‫الفتى: من البطل؟‬

‫الصدى: البطل.‬

‫الفتى: أهو المحارب؟‬

‫الصدى: المحارب.‬

‫الفتى: أهو المسالم؟‬

‫الصدى: المسالم.‬

‫الفتى: اللعنة.. اللعنة.. اللعنة..‬

‫(يتحول الفتى عن المصطبة)‬

‫: (صائحا) عليّ أن أستعد.. إليّ بالطبيب.. أيها الطبيب..‬

‫(يدخل الطبيب بالثياب التجريدية.. لكنه ذو لحية.. وبيده حقيبة).‬

‫الطبيب: لا تصرخ اتقاء للمضاعفات.‬

‫الفتى: وهل تأكدت من مرضي حتى تحذرني من المضاعفات؟‬

‫الطبيب: إننا لا ندعى للأفراح.‬

‫الفتى: بل يبدو لي أني مريض.‬

‫الطبيب: إنني أعمل يومين في اليوم الواحد.‬

‫الفتى: ياه!‬

‫الطبيب: إنه الوباء..‬

‫الفتى: هل يوجد وباء؟!‬

‫الطبيب: كأنك تعيش في قمقم.‬

‫الفتى: قمقم من الغم.‬

‫الطبيب: وهو ينتشر رغم المقاومة الفنية المنتظمة.‬

‫الفتى: لعلكم ازددتم به ثراء على ثراء.‬

‫الطبيب: نحن نثري بفضل الأمراض لا الأوبئة.‬

‫الفتى: لكن الوباء ما هو إلا مرض كبير.‬

‫الطبيب: الوباء ينتشر انتشاراً أعمى، فيهدد كبار رجال الدولة، لذلك فهم يسخرون الأطباء لمقاومته، فلا نفيد من ورائه خيراً يذكر.‬

‫الفتى: أمر يدعو إلى الأسف، ولكننا ندفع ثمن إهمالنا للبيئات الفقيرة القذرة.‬

‫الطبيب: الوباء وفد من الخارج كالعادة دائماً.‬

‫الفتى: ربما ولكنه يستفحل في البيئات الفقيرة.‬

‫الطبيب: استفحل هذه المرة في البيئات الراقية!‬

‫الفتى: ظاهرة غريبة تستحق الدراسة.‬

‫الطبيب: لكنك استدعيتني لأمر أهم من التزود من الثقافة الصحية العامة.‬

‫الفتى: عندك حق.. إنني أعتقد أني مريض.‬

‫الطبيب: إني مصغ إليك يا سيدي.‬

‫الفتى: لا أعراض خاصة تستحق الذكر.‬

‫الطبيب: لعلك ترغب في إجراء كشف عامّ؟‬

‫الفتى: تقريباً‬

‫الطبيب: إما أنك تريد وإما أنك لا تريد، فما معنى قولك «تقريباً»؟!‬

‫الفتى: لا مؤاخذة فهذا ما قصدته بالدقة.‬

‫الطبيب: ولمَ لم تذكر ما تقصده بالدقة من أول الأمر؟‬

‫الفتى: لا تشتد فى محاسبتي على أسلوبي في الكلام.‬

‫الطبيب: هل يجرى كلامك على هذا النحو القلق عادة؟‬

‫الفتى: تقريباً!‬

‫الطبيب: عدنا إلى تقريباً!‬

‫الفتى: فلنفترض أن الجواب بالإيجاب.‬

‫الطبيب: فلنفترض! ألا تستطيع أن تعبر عما تريد بدقة؟‬

‫الفتى: طيب، إني أرغب فى إجراء كشف عامّ.‬

‫الطبيب: أسلوبك في الكلام لا يخلو من دلالة مريبة.‬

‫الفتى: عدنا إلى الأسلوب.‬

‫الطبيب: إنه أول عرض.‬

‫الفتى: عرض؟!‬

‫الطبيب: إنك تحاور وتداور، ولا تقصد إلى هدفك رأساً.‬

‫الفتى: معذرة.‬

‫الطبيب: وهذا هو أول أعراض الوباء.‬

‫الفتى: الوباء!‬

‫الطبيب: أما بقية الأعراض فيمكن استنتاجها.‬

‫الفتى: لا أفهم شيئا.‬

‫الطبيب غير مهم.‬

‫الفتى: ولكنه مرضي أنا.‬

‫الطبيب: إنه وباء فهو ملكية عامة.‬

‫الفتى: فليكن، علينا أن نفهمه على أي حال.‬

‫الطبيب: بل عليك أن تتداوى منه.‬

‫الفتى: حسن، فلتحدثني عن بقية الأعراض.‬

‫الطبيب: بل عليك أن تحدثني أنت.‬

‫الفتى: ولكنك قلت إن بقية الأعراض يمكن استنتاجها.‬

‫الطبيب: أتريد أن ترسم لي خطتي فى العلاج؟‬

‫الفتى: أنا تحت أمرك.‬

‫الطبيب: هذا هو العرض الثاني!‬

‫الفتى: أين هو؟!‬

‫الطبيب: بعد المحاورة والمداورة تصدر جملة واضحة محددة هي «أنا تحت أمرك».‬

‫الفتى: ولكنها مجرد مجاملة!‬

‫الطبيب: هذا ما يخيل إليك، أما الواقع فإنه العرض الثاني!‬

‫الفتى: بهذه الطريقة يمكن أن نعتبر أي عبارة عرضاً من أعراض الوباء‬

‫الطبيب: قولك هذا يقطع بعدم ثقتك بالعلم.‬

‫الفتى: ولكني من المتحمسين للعلم..‬

‫الطبيب: (يهز رأسه في شك وهو صامت)‬

‫الفتى: (وهو يشير نحو المصطبة المسربلة بالظلام) إني من أصل عريق كان أول من أحرز في ميدان العلم نصراً.‬

‫الطبيب: الإشارة نحو الظلام مقرونة بالمباهاة عرض ثالث من أعراض الوباء.‬

‫الفتى: لست من هؤلاء.. إني بصفة عامة متعصب للعصر الحديث..‬

‫الطبيب: متعصب؟!‬

‫الفتى: أقصد أنني متحمس للعصر الحديث، ولا ألتفت نحو الأسلاف إلا تحت ضغط ضرورة ملحة!‬

‫الطبيب: وهاك عرض من أعراض الوباء.‬

‫الفتى: إذن فأين يقع السلوك الصحيح؟‬

‫الطبيب: إنك لا تدري عنه شيئاً في ما أرى!‬

‫الفتى: إني أجد دوارا فى رأسي!‬

‫الطبيب: الصراحة تحدث لك دوارا؟ عرض خامس!‬

‫الفتى: لعلي بالغت فى التعبير.‬

‫الطبيب: من الدوار إلى المبالغة.. عرض سادس!‬

‫الفتى: خير ما أفعل أن ألزم الصمت.‬

‫الطبيب: من الدوار إلى المبالغة إلى الصمت.. عرض سابع!‬

‫الفتى: هاهاها…‬

‫الطبيب: دوار، مبالغة، صمت، ضحك بلا سبب.. عرض ثامن..‬

‫الفتى: هاهاهاهاها...‬

‫الطبيب: إغراق فى الضحك رغم التأكد من أعراض الوباء.. عرض تاسع!‬

‫الفتى: (يخفي وجهه بين كفيه)‬

‫الطبيب: وتخفي وجهك، ولكن أعراض الوباء لا تختفي.‬

‫الفتى: وماذا يمكن أن أفعل؟‬

‫الطبيب: وهذا هو التساؤل الذي يمثل أخطر أعراض الوباء.‬

‫الفتى: الحق أنك لا تشخص مرضا ولكنك مصرّ على إثبات وجود الوباء.‬

‫الطبيب: ها أنت ذا تبدأ بالتهجم عليّ، ومعنى ذلك أنك تهادن من يتحرش بك وتتحرش بمن يحسن معاملتك، وهذا هو العرض العاشر.‬

‫الفتى: إنك تثير غضبي.‬

‫الطبيب: وتغضب حيث يجب الحلم.. العرض الحادي عشر.‬

‫الفتى: (هازئا) لو لي لا بم.‬


‫الطبيب: هذيان لفظي.. العرض الثاني عشر.‬

‫الفتى: سيدي الطبيب، ألم تعالج في حياتك رجلاً من أصحاب النفوذ؟‬

‫الطبيب: حصل.‬

‫الفتى: وهل صارحته بما تصارحني به الآن؟‬

‫الطبيب: كلا.‬

‫الفتى: وكيف تصرفت معه؟‬

‫الطبيب: تجنبت ذكر أي عرض يسيء إليه.‬

‫الفتى: ولكنك عرضت حياته للخطر؟‬

‫الطبيب: هذا على أي حال خير من تعريض حياتي للخطر!‬

‫الفتى: أليس ذلك بعرض من أعراض الوباء؟‬

‫الطبيب: بلى!‬

‫الفتى: إذن فأنت مصاب أيضاً.‬

‫الطبيب: طبعاً لم يسلم من الوباء أحد.‬

‫الفتى: ألا تتداوى من الداء؟‬

‫الطبيب: بنفس الدواء الذي سأصفه لك.‬

‫الفتى: وهو؟‬

‫الطبيب: إنه دواء واحد لا بديل له، وهو أن تسير إذا سرت على يديك، أن تسمع بعينيك، أن ترى بأذنيك، أن تتذكر بعقلك، وأن تعقل بذاكرتك.‬

‫الفتى: يا له من دواء غريب وشاق!‬

‫الطبيب: ولكنه ناجح وفعال ومجرب!‬

‫الفتى: شكراً لك.‬

‫الطبيب: عفواً.. آن لي أن أذهب.‬

‫الفتى: مصحوباً بالسلامة.‬

‫(الطبيب يتجه نحو الناحية اليسرى.. صوت القهقهة الساخرة يرتفع، الطبيب يتوقف عن السير.. يستدير ذاهباً إلى الناحية التي جاء منها، ويختفي)‬

‫الفتى: آن لهذا الصوت الكريه أن يخمد، ولا حل إلا أن أؤدبه..‬

‫صوت من الجهة اليمنى: بل يوجد حل آخر.‬

‫(يدخل رجل عملاق بادي الاعتداد بالنفس مبتسماً بمودة)‬

‫الفتى: من أنت؟‬

‫العملاق: صديق.‬

‫الفتى: ولكني لا أعرفك.‬

‫العملاق: نحن في عالم لا نعرف فيه إلا أعداءنا.‬

‫الفتى: ولكني لم أرك من قبل.‬

‫العملاق: ها أنت ذا تراني، وفي هذا الكفاية.‬

‫الفتى: لا حول ولا قوة إلا بالله.‬

‫العملاق: تذكر هذه اللحظة جيداً، فسوف تؤرخ بها السعادة في عمرك.‬

‫الفتى: وماذا تريد؟‬

‫العملاق: أن أساعدك.‬

‫الفتى: في أي شيء؟‬

‫العملاق: في قهر عدوك.‬

‫الفتى: ولكني لم أطلب مساعدة أحد.‬

‫العملاق: وهذا يجعل من تقدمي إليك سلوكاً جديراً حقاً بالصداقة!‬

‫الفتى: ومن الذي أرسلك؟‬

‫العملاق: قل إنها العناية الإلهية.‬

‫الفتى: هذه إجابة عامة ولا تشفي.‬

‫العملاق: إذن اعتبر أننى جئتك بحكم وظيفتي.‬

‫الفتى: وما وظيفتك؟‬

‫العملاق: أن أقيم ميزان العدالة.‬

‫الفتى: ومن قلدك هذه الوظيفة؟‬

‫العملاق: الفرد هو الذي يختار الوظيفة التي تناسبه.‬

‫الفتى: ولكنني لم أسألك المعونة.‬

‫العملاق: ربما لأنك لم تكن تعلم بوجودي من كثب منك.. وربما…‬

‫الفتى: وربما؟‬

‫العملاق: وربما لأنك تبالغ في تقدير قوتك.‬

‫الفتى: هذا شأني على أي حال.‬

‫العملاق: كلا.‬

‫الفتى: كلا؟!‬

‫العملاق: إنه يدخل ضمن اختصاص وظيفتي، عليّ أن أنقذك ولو من نفسك.‬

‫الفتى: ولكن مرجع الأمر فى النهاية إليّ أنا.‬

‫العملاق: ويرجع إليّ بحكم وظيفتي.‬

‫الفتى: إني أشكرك، أرجو أن لا تغالي في اختصاص وظيفتك.. ثمة رجل وقح اعتدى عليّ، ولا مفر من أن أؤدبه بنفسي.‬

‫العملاق: ولكنه يفوقك قوة، ولا دافع لشره سواي..‬

‫الفتى: لست فى حاجة إلى مساعدتك.‬

‫العملاق: بل إنك في مسيس الحاجة إليها.‬

‫الفتى: أكرر الشكر، ولكنني لا أعرفك ولا تربطني بك صلة حقيقية.‬

‫العملاق: إني جزء لا يتجزأ من المكان، لي فيه رزق وصهر، وتربط أسرتي بأجدادك أواصر مودة قديمة.‬

‫الفتى: أجدادي؟! إني أشك في ذلك.‬

‫العملاق: من أين لك هذا الشك؟‬

‫الفتى: إني أعرف من كانوا على صلة بهم..‬

‫العملاق: لا بد أن تفوتك معرفة البعض، وأسرتي كانت ضمن ذلك البعض.‬

‫الفتى: حتى لو صح ذلك فإنني لا أعتبره ملزما لي بقبول مساعدتك.‬

‫العملاق: إني أذكر ذلك التاريخ باعتباره مسوغاً للقبول لا ملزماً له!‬

‫الفتى: إذن لا إلزام هناك..‬

‫العملاق: أما الإلزام فيجيء من طبيعة وظيفتي.‬

‫الفتى: إني أرفض مبدأ الإلزام..‬

‫العملاق: عجيب أن تقف هذا الموقف العنيد من مساعدة تهبط عليك من السماء!‬

‫الفتى: أنا الذى تلقيت الضربة وأنا الذي عليّ ردها.‬

‫العملاق: لن تستطيع ذلك وحدك.‬

‫الفتى: هذا لا يعنيك في شيء.‬

‫العملاق: بل هو كل شيء عندي، هو وظيفتي في الحياة.‬

‫الفتى: لا شأن لي بوظيفتك.‬

‫العملاق: لا تجعلني أشك في قواك العقلية.‬

‫الفتى: انصرف من فضلك ودعني أتصرف كما أشاء.‬

‫العملاق: فكر.. فكر طويلاً.. لا ترفض هبة العناية الإلهية.‬

‫الفتى: أنا الذي تلقيت الضربة وأنا الذي عليّ ردها.‬

‫(الفتاة ترجع وتتخذ مكانها بين الرجلين)‬

‫(العملاق يحني لها رأسه فترد التحية)‬

‫العملاق: لى عظيم الشرف بلقاء ربة الدار.‬

‫الفتاة: شكراً يا سيدي.‬

‫العملاق: كنت أذكّره بالصلة القديمة التي ربطت بين أسرتي وأجداده.‬

‫الفتاة: سمعت كل شيء!‬

‫العملاق: إنه ينكر تلك الصلة.‬

‫الفتاة: لا يمكن إنكار أي صلة قديمة أو حديثة.‬

‫العملاق: مرحباً بصوت الحكمة.‬

‫الفتاة: كن رفيقاً به فهو غاضب.‬

‫العملاق: ألا يحق لي أن أتمسك بأداء وظيفتي؟‬

‫الفتاة: مباركة الوظيفة التي تصون الحياة..‬

‫العملاق: مرحباً بصوت الحكمة.‬

‫الفتى: (مخاطباً الفتاة).. مؤامرة!‬

‫الفتاة: معاذ الله.‬

‫الفتى: مؤامرة.‬

‫الفتاة: افتح له صدرك.‬

‫العملاق: أشكرك يا صوت العقل.‬

‫الفتى: (للفتاة) إني أطالبك بالاحترام.‬

‫الفتاة: قلبي ملؤه الاحترام والحب.‬

‫العملاق: لم تعاند محبيك؟‬

‫الفتى: الحب قد يدفع إلى الهلاك.‬

‫الفتاة: الحب لا يتعامل إلا مع الحياة.‬

‫الفتى: إني أطالبك بالانسحاب.‬

‫العملاق: غريب أن تعامل الجمال والحكمة بهذه الفظاظة.‬

‫الفتى: (للعملاق) لا تتدخل فى شؤوني الخاصة.‬

‫العملاق: سمعاً وطاعة.‬

‫الفتاة: إني ذاهبة ما دمت ترغب في ذلك، ولكني أتوسل إليك أن تفتح له صدرك.‬

‫(الفتاة تذهب)‬

‫(فترة صمت يتبادل فيها الرجلان النظرات، العملاق باسماً والفتى غاضباً)‬

‫العملاق: الجو أصبح أصلح للمناقشة.‬

‫الفتى: ألم تستنفد المناقشة؟‬

‫العملاق: نعم، ليس بعد، افتح لي صدرك، واتخذ بعد ذلك قرارك.‬

‫الفتى: (يتنهد صامتاً)‬

‫العملاق: أريد أن أساعدك.‬

‫الفتى: خبرني صراحة عما تريد ثمناً لذلك؟‬

‫العملاق: إني صديق ولست بتاجر.‬

‫الفتى: حدثني عما تريد.‬

‫العملاق: لا شيء البتة.‬

‫الفتى: البتة؟‬

‫العملاق: إلا ما تتطلبه ظروف العمل طبعاً.‬

‫الفتى: ظروف العمل؟‬

‫العملاق: لكي أؤدب عدوك فلا بد من استدراجه إلى هنا.‬

‫الفتى: إلى مكاني هذا؟‬

‫العملاق: نعم.‬

‫الفتى: لا يجوز أن يدنس مقامي بقدمه.‬

‫العملاق: لا تعط المكان أهمية أكثر مما يستحق.‬

‫الفتى: (مشيراً إلى المصطبة) إنه مقامي مذ كان مقاماً لهؤلاء.‬

‫العملاق: ولا تعط للأموات أهمية أكثر مما يستحقون.‬

‫الفتى: إذن هذا هو رأيك عن الأجداد؟‬

‫العملاق: إن باطن الأرض مليء بالعظام وهيهات أن تعرف أين عظام أجدادك بينها.‬

‫الفتى: هذا رأي من لا أصل له.‬

‫العملاق: لا تغضب.. ما أردته هو أن أبيّن لك خطتي في العمل.‬
‫الفتى: ولم لا تذهب إليه حيث يقهقه؟‬
‫العملاق: إني أعرف ما أريد.‬
‫الفتى: سأجاريك في أفكارك، فهل إذا وافقت على رأيك تشرع في العمل؟‬
‫العملاق: ولكن ليس هذا بكل شيء.‬
‫الفتى: ثمة شروط أخرى؟‬
‫العملاق: لا تردد كلمة «شروط» فما أبغضها في مقام الصداقة.‬
‫الفتى: طيب.. ماذا تريد أيضاً؟‬
‫العملاق: في فترة التأهب للمعركة أحتاج إلى رعاية خاصة.‬
‫الفتى: مثال ذلك؟‬
‫العملاق: تقدم لي الطعام والشراب والترفيه الضروري.‬
‫الفتى: جميل، ولكن يخيل إليّ أن مطالبك لم تنته بعد؟‬
‫العملاق: ما أجمل أن تدعو الفتاة الجليلة لمجالستنا!‬
‫الفتى: فتاتي؟‬
‫العملاق: إنها قلب كبير يتسع للجميع..‬
‫الفتى: ولعله يتسع أيضاً لعدونا المشترك؟‬
‫العملاق: أعني أنني في حاجة إلى الحنان قبل المعركة.‬
‫الفتى: وماذا أيضاً؟‬
‫العملاق: بما أنني سأكون يدك عند الحاجة، فمن الإنصاف أن لا تتورط في فعل قبل مشاورتي..‬
‫الفتى: منطق سديد!‬
‫العملاق: ولا أن تصادق شخصاً قبل موافقتي، فقد يكون لي عدواً!‬
‫الفتى: واحد وواحد يساويان اثنين.‬
‫العملاق: ولا أن تعادي شخصاً قبل الرجوع إليّ، فقد يكون لي صديقاً.‬
‫الفتى: من يجادل في ذلك؟‬
‫العملاق: هل نبدأ؟‬
‫الفتى: أود أن أسألك سؤالاً، هل يمكن أن يفعل بي عدوي أكثر من ذلك؟‬
‫العملاق: (مستنكراً) ولكن الفعل يتغير معناه بتغير فاعله.‬
‫الفتى: فاعله؟!‬
‫العملاق: قبلة من زوجك غير قبلة من بنت هوى، وصفعة من والدك غير صفعة من غريب!‬
‫الفتى: وأنت تعتبر نفسك الوالد والزوجة لي؟‬
‫العملاق: بدأنا نتفاهم في ما أعتقد.‬
‫الفتى: (غاضباً) أُغرب عن وجهي.‬
‫العملاق: ماذا جرى لك؟‬
‫الفتى: اذهب.. اذهب بلا تردد.‬
‫العملاق: أين أذهب؟‬
‫الفتى: ابعد عن مقامي.‬
‫العملاق: ولكنه مقامي أنا أيضاً.‬
‫الفتى: ماذا قلت؟‬
‫العملاق: يا سيدي، مضى وقت طويل ونحن نتبادل الحديث، وقت يعطيني الحق في الإقامة، وبالإضافة إلى ذلك نشأت علاقة إنسانية صميمة مع فتاتك الحكيمة، بل مع هؤلاء الأجداد أنفسهم..‬
‫الفتى: أنت بلطجي..‬
‫العملاق: فليسامحك الله.‬
‫الفتى: اذهب بعيداً، لا أريد مساعدتك، وسألقى عدوي وحدي..‬
‫العملاق: عليك في هذه الحال أن تقاتل اثنين!‬
‫الفتى: كيف؟‬
‫العملاق: إنك تناصبني العداء، وسأضطر إلى الدفاع عن نفسي..‬
‫الفتى: تهاجمني لأنني أرفض مساعدتك؟‬
‫العملاق: لأنك تريد أن تطردني من مقامي، وتعطل وظيفتي الأساسية في الحياة.‬
‫الفتى: لا تستهن بي، لست عملاقاً مثلك، ولكنني مصرّ على منازلة الموت نفسه.‬
‫العملاق: ما دمت تريد الموت فلتمت.‬
‫الفتى: سأموت إذا مت وأنا أقاتل.‬
‫العملاق: إذن فلتقاتل ولتمت.‬
‫(تعود الفتاة مسرعة)‬
‫الفتاة: أردت أن تفتح صدرك للتفاهم لا للموت.‬
‫الفتى: إنه شر من الآخر.‬
‫العملاق: إنه أحمق.‬
‫الفتى: إنه من النوع الآخر، ولكنه شر منه.‬
‫الفتاة: يا للأسف!‬
‫الفتى: لا منفذ إلى حياة طيبة مع وجودهما.‬
‫الفتاة: متى أسمع كلمة جميلة تتردد؟‬
‫الفتى: عندما يختفيان هما وأمثالهما.‬
‫الفتاة: كلام قديم معاد.‬
‫الفتى: ولكنه حق.‬
‫الفتاة: متى أسمع كلمة جميلة تتردد؟‬
‫العملاق: إني أردد هذه الكلمة المنشودة ولا من سميع.‬
‫الفتاة: (للعملاق) ألا يمكن أن تقيم ميزان العدالة بلا شروط؟‬
‫العملاق: إني أبغض كلمة «شروط».‬
‫الفتاة: ألا يمكن أن تقيم ميزان العدالة دون أن تطالب بشيء؟‬
‫العملاق: لن يكون هذا من العدل في شيء.‬
‫الفتاة: متى أسمع كلمة جميلة تتردد؟‬
‫(صوت القهقهة الهازئة يترامى من بعيد)‬
‫(العملاق ينصت إلى الصوت باهتمام ودهشة)‬
‫العملاق: رباه! إني أعرف هذا الصوت!‬
‫الفتاة: إنه صوت عدوه.‬
‫العملاق: عدوه!‬
‫الفتاة: نعم.‬
‫العملاق: يا لعجائب المصادفات!‬
‫الفتاة: هذا هو الرجل الذي قصدت بتقديم مساعدتك القضاء عليه.‬
‫العملاق: هاهاها...‬
‫الفتاة: ماذا يضحكك؟‬
‫العملاق: إنه قريبي من ناحية الأم!‬
‫الفتاة: قريبك؟!‬
‫نعم.. يا لذكريات الطفولة السعيدة التي لا تنسى!‬
‫الفتى: ظننتك تعرف العدو الذي جئت متطوعاً لضربه.‬
‫العملاق: هاهاها...‬
‫الفتى: ألا زلت عند رأيك في مساعدتك؟‬
‫العملاق: ولكنك رفضت مساعدتي!‬
‫الفتى: هبني قبلتها فهل تقدمها؟‬
‫العملاق: مع الشروط التي اشترطتها كافة؟‬
‫الفتى: لكنك تبغض كلمة «شروط»؟‬
‫العملاق: نعم أم لا؟‬
‫الفتى: نعم.‬
‫العملاق: في هذه الحال ألعب دور رسول السلام بينكما.‬
‫الفتى: رسول السلام؟‬
‫العملاق: إكراماً لهذه الفتاة الحكيمة، ولك.‬
‫الفتى: وتعهداتك السابقة؟‬
‫العملاق: للقربى حقوق، وإني لا أوفيها حقها الكامل بموقفي هذا..‬
‫الفتى: ولكنه هو المعتدي؟‬
‫العملاق: ولو!‬
‫الفتى: وهو في الأصل قاطع طرق ليس إلا؟‬
‫العملاق: ولو!‬
‫الفتى: إنه وحش ذميم.‬
‫العملاق: إنك لا تراه على حقيقته.‬
‫الفتى: ألم تسمع قهقهته الساخرة؟‬
‫العملاق: هذه هي طريقته فى المزاح، يا له من شاب خفيف الروح حقاً!‬
‫الفتى: ولكني أعرفه حق المعرفة، من خلال المعاملة والجوار والصراع عرفته.‬
‫العملاق: صدقني إنه لا يكشف عن مكنون كنوزه إلا لمن يحبه ويفهمه.‬
‫الفتى: بل لا تلين عريكته إلا لمن يشكمه بالتأديب والضرب.‬
‫العملاق: أحمد الله على أنك لم تتمكن من ضربه.‬
‫الفتى: ولم؟‬
‫العملاق: كنت سأهرع إلى نجدته.‬
‫الفتى: ها أنت ذا تهددني.‬
‫العملاق: للقرابة حقوق.‬
‫الفتى: تجلت الحقيقة، فما أنت إلا بلطجي كقريبك.‬
‫العملاق: يا له من تفكير خليق بأن يقود إلى الهلاك.‬
‫الفتى: لا تضيع وقتي هباءً.‬
‫العملاق: تصرف بوقتك كما تشاء..‬
‫الفتى: سأسوي حسابي بنفسي.‬
‫الحب أقوى قوة في الوجود بيد أنه سلاح لا يسلس إلا لمن يؤمن به ‬
‫العملاق: أنت تعلم أن هذا الكلام لا معنى له، وقد وضحت لك أهداف وظيفتي.‬
‫الفتى: اللعنة!‬
‫العملاق: إني صديقك أردت أم لم ترد، وإني قريبه قبلت ذلك أم لم تقبله، وأنا أكبر منكما سناً وأعظم قوة، فواجبي أن أجمع بين ثلاثتنا بعهد صداقة دائمة جديرة بهذا المكان الذي يؤاخي الأحياء والأموات أنفسهم.‬
‫الفتى: كلام طيب ونية لئيمة وفعل غشوم...‬
‫العملاق: (مخاطباً الفتاة).. تكلمي أنت.‬
‫الفتاة: لم يعد عندي من جديد أقوله.‬
‫الفتى: اعترفي بأنني على حق.‬
‫الفتاة: أعترف بأنه لا يهمني في هذا الوجود إلا الحب.‬
‫العملاق: كم أنك حكيمة!‬
‫الفتى: كم أنك أنانية.‬
‫الفتاة: الحب عطاء بلا حدود ولا نهاية.‬
‫الفتى: الوحش يأخذ، لكنه لا يعرف العطاء.‬
‫الفتاة: ليتك تؤمن بالحب.‬
‫الفتى: لا حياة للحب بين الوحوش.‬
‫الفتاة: الحب أقوى قوة في الوجود بيد أنه سلاح لا يسلس إلا لمن يؤمن به.‬
‫الفتى: للوحوش لغة أخرى.‬
‫الفتاة: أخشى أن تنقلب وحشاً مثلهم.‬
‫الفتى: الكرامة أهم من الحياة نفسها.‬
‫الفتاة: الفضائل الحقيقية ثمار لا تنبت إلا فوق شجرة الحب.‬
‫العملاق: (مخاطباً الفتى).. من المؤسف أنك تحب الموت أكثر مما تحب فتاتك الجميلة الحكيمة.‬
‫الفتى: الموت أحب إليّ من الخضوع لإرادتك.‬
‫(القهقهة الساخرة تترامى من بعيد)‬
‫العملاق: يا له من فتى ضحوك يحب المزاح بقدر ما يحب الحياة الآمنة.‬
‫الفتى: إنك لئيم بقدر ما أنت قوي.‬
‫العملاق: أمامك عملاقان ووراءك حياة طيبة فارجع إلى الوراء.‬
‫الفتى: إلى الأمام.‬
‫العملاق: (للفتاة) أقترح أن ندعه لنفسه ليفكر بهدوء، فإن الجدل يغريه بالعناد والمكابرة.‬
‫(العملاق والفتاة يخرجان من بابين متقاربين في الناحية اليمنى).‬
‫(الفتى يتفكر قليلاً.. ينظر ناحية المصطبة المسربلة في الظلام).‬
‫الفتى: آن لكم أن تنطقوا.‬
‫الصدى: تنطقوا!‬
‫(الفتى يلوّح بيده غاضبا يذهب ويجيء متفكراً.. يدخل رجل أعمى يتحسس طريقه بعكاز، يتنصت مائلاً برأسه نحو الفتى)‬
‫الشحاذ: هل يوجد أحد هنا؟‬
‫الفتى: نعم.‬
‫الشحاذ: أنت الذي ناديتني؟‬
‫الفتى: كلا.‬
‫الشحاذ: لكنه صوتك وأذني لا تخطئ.‬
‫الفتى: خبرني عما تريد.‬
‫الشحاذ: ماذا تريد أنت؟‬
‫الفتى: ألست شحاذاً؟‬
‫الشحاذ: بلى.‬
‫الفتى: لعلك تريد إحساناً؟‬
‫الشحاذ: رزقت اليوم بما فيه الكفاية، فماذا تريد أنت؟‬
‫الفتى: لا أريد شيئاً.‬
‫الشحاذ: كذب!‬
‫الفتى: شحاذ ووقح.‬
‫من المؤسف أنك تحب الموت أكثر مما تحب فتاتك الجميلة الحكيمة‬
‫الشحاذ: لمَ تشتمني؟‬
‫الفتى: كيف تجرؤ على رميي بالكذب؟‬
‫الشحاذ: لأنك كذاب!‬
‫(الفتى يرفع يده ليضربه ولكنه يتراجع أمام عجزه)‬
‫الفتى: اذهب قبل أن أكسر رأسك.‬
‫الشحاذ: لا أذهب حتى أعرف لماذا ناديتني.. وماذا تريد مني.‬
‫الفتى: اذهب أحسن لك.‬
‫الشحاذ: ليس قبل أن أعرف ماذا تريد؟‬
‫الفتى: (ساخراً) وهل عندك ما تعطيه؟‬
‫الشحاذ: اطلب ما تشاء.‬
‫الفضائل الحقيقية ثمار‬
‫لا تنبت إلا فوق‬
‫شجرة الحب‬
‫الفتى: (ضاحكا رغما عنه) إني مدين لك بأول ضحكة في يومي.‬
‫الشحاذ: هذا قليل من كثير مما عندي.‬
‫الفتى: يخيل إلىّ أنك غني.‬
‫الشحاذ: جداً.‬
‫الفتى: ماذا تمتلك؟‬
‫الشحاذ: عالم الظلام الذي لا نهاية له.‬
‫الفتى: أنت خفيف الروح رغم سلاطة لسانك، وكان ينبغي أن تجد ملجأ يؤويك.‬
‫الشحاذ: التحقت ذات يوم بملجأ.‬
‫الفتى: ولم تركته؟‬
‫الشحاذ: رُفتُّ!‬
‫الفتى: (ضاحكاً) أسمع أول مرة عن رفت الشحاذين!‬
‫الشحاذ: كان ناظر الملجأ فظًا غليظاً ولصاً لا حياء له.‬
‫الفتى: وتوقع أن تسبحوا بحمده على أي حال؟‬
‫الشحاذ: ولكن بعضنا تمرد وكنت على رأس المتمردين!‬
‫الفتى: وفضلت أن تهيم على وجهك بلا مأوى؟‬
‫الشحاذ: نعم.‬
‫الفتى: ولكن أليس الملجأ بكل عيوبه أفضل من التسول والتشرد؟‬
‫الشحاذ: الحرية أفضل من الأمن نفسه!‬
‫الفتى: يخيل إليّ أنك شحاذ مثقف!‬
‫الشحاذ: أعرف أشياء كثيرة.‬
‫الفتى: مثل ماذا؟‬
‫الشحاذ: أن أرى بأذني.‬
‫الفتى: وماذا أيضاً؟‬
‫الشحاذ: وأن أسير على يدي!‬
‫الفتى: أن ترى بأذنيك وتسير على يديك!‬
‫الشحاذ: وصادفني في تجوالي بعض الرسميين فقادوني مرة أخرى إلى الملجأ.‬
‫الفتى: إلى الوحش؟‬
‫الشحاذ: كلا، كان قد خلفه ناظر جديد عادل وأمين ورحيم..‬
‫الفتى: وكيف تركته بعد ذلك؟‬
‫الشحاذ: هربت!‬
‫الفتى: غير معقول.‬
‫الشحاذ: كان عادلاً وأميناً ورحيماً ولكنه مغرم بالنظام لدرجة الهوس ويطبقه بدقة فلكية، ولا يقبل مراجعة.‬
‫الفتى: ولكنك نعمت بالغذاء والكساء والراحة والنظافة.‬
‫الشحاذ: الأكل بميعاد والشرب بميعاد و«ولاء مؤاخذة» بميعاد، والنوم بميعاد، فكدت أن أجن.‬
‫الفتى: وتمردت مرة أخرى؟‬
‫الشحاذ: حتى التمرد حرمت منه فلم يطاوعني ضميري على التمرد على رجل عادل أمين رحيم.‬
‫الفتى: كان عليك أن ترضى...‬
‫الشحاذ: حتى التمرد حرمت منه!‬
‫الفتى: التمرد ليس خيراً في ذاته.‬
‫الشحاذ: ولكنه خير من أن تكون حجراً.‬
‫ينابيع الحياة الحقة مهددة بالجفاف، أشواق القلب الخالدة يساومها الضياع‬
‫الفتى: وهكذا هربت؟‬
‫الشحاذ: هكذا هربت.‬
‫الفتى: إلى التراب والحشرات واللقمة العفنة!‬
‫الشحاذ: إلى سعادتي الحقيقية.‬
‫الفتى: حديثك مثير وعجيب.‬
‫الشحاذ: فُتَّك بعافية.‬
‫(الشحاذ يتحرك)‬
‫الفتى: انتظر.‬
‫(الشحاذ يستمر في سيره)‬
‫الفتى: ألا تريد أن تسمعني؟‬
‫(يمضي الشحاذ حتى يختفي)‬
‫(يعود العملاق.. تعود الفتاة)‬
‫الفتاة: قلبي طيلة الوقت معك..‬
‫العملاق: لعلك اقتنعت برأيي.‬
‫الفتى: أيها السيد الذي يحب الشر، ويحب الخير أحياناً لحساب الشر. أيتها السيدة التي تحب الخير، وتحب الشر أحياناً لحساب الخير.‬
‫إليكما رأيي النهائي.‬
‫سأصون كرامتي حتى الموت.‬
‫الفتاة: (تخفي وجهها بين يديها وستظل كذلك إلى ما قبل النهاية)‬
‫العملاق: شعار الوباء الذي فتك بملايين الحمقى..‬
‫الفتى: ينابيع الحياة الحقة مهددة بالجفاف، أشواق القلب الخالدة يساومها الضياع، سحقا للوحشة التي تذبل فيها معاني الأشياء، إني ذاهب…‬
‫(القهقهة الساخرة ترتفع)‬
‫(الفتى يتحول نحوها في إصرار ويتقدم.. العملاق يثب نحوه.. الفتى يدفعه.. العملاق يقبض على كتفيه ويدفع به نحو المصطبة.. الفتى يندفع حتى يغيب في الظلمة، الفتى يرتد كأنه كرة ارتطمت بجدار منقلبا على وجهه ثم يقف مترنحاً، كأن حركته أيقظت الرقود وشدته من رقادهم.. يتدحرج أولهم حتى يصل إلى مقدم المسرح وينهض في تثاقل كمن يقوم من نوم.. يتبعه آخر مكرراً الحركة نفهسا.. ويتتابع كثيرون رجالاً ونساء مكررين الحركات نفسها حتى يكتظ بهم المسرح.‬
‫العملاق يتزحزح رويداً رويداً حتى يغيب فى المدخل المفضي إلى القهقهة الساخرة.‬
‫تتم يقظة الجميع تنتصب قامتهم.. يرتسم العزم في وجوههم.. يجرى ذلك في تمثيل صامت.. يسير الفتى نحو ناحية عدوه وهو يضرب الأرض ضربات مسموعة منتظمة.. يمضون خلفه في عزم صلب حتى يختفوا جميعاً.. ضربات أقدامهم ما زالت تترامى).‬
‫الفتاة: (ترفع يديها عن وجهها.. تصغى بحزن.. وترمى بنظرها إلى بعيد).‬
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
)~HeRo~(
مميزآلسفِينہِ ¦
مميزآلسفِينہِ ¦
avatar

مُسَـآإهَـمـآإتِے » : 202
نِقَـآإطِے » : 202
آنتـسآبے : 29/06/2013
آوٌسـمتِے : ,

مُساهمةموضوع: رد: من روائع الكاتب العالمى(نجيب محفوظ)ومسرحيته النادرة "يميت ويحيى"إنها روعة إقرأوها    السبت يونيو 29, 2013 11:30 pm


بارك الله فيك على الموضوع القيم والمميز

وفي انتظار جديدك الأروع والمميز

لك مني أجمل التحيات


وكل التوفيق لك يا رب

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
من روائع الكاتب العالمى(نجيب محفوظ)ومسرحيته النادرة "يميت ويحيى"إنها روعة إقرأوها
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: ¬°•| المنتديات العامـہ |•°¬ :: ● -القصص والروايات-
انتقل الى: